الشيخ محمد رشيد رضا
323
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عنه وقال واما الأصوليون عن المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين وهذا هو الأصح . وأيده بثلاثة وجوه : كون اللام في الناس للاستغراق وكون جميعهم مخلوقين ومأمورين بالتقوى . واذكر أن أقدم عبارة سمعتها في التفسير فوعيتها وأنا صغير عن والدي رحمه اللّه هي قوله إن اللّه تعالى كان ينادى أهل مكة بقوله « يا أَيُّهَا النَّاسُ » وأهل المدينة بقوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » * ولم يناد الكفار بوصف الكفر إلا مرة واحدة في سورة التحريم « يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ » وهذا إخبار عما ينادون به في الآخرة . وأقول : ان كلمة « يا أَيُّهَا النَّاسُ » كثيرة في السور المكية كالأعراف ويونس والحج والنمل والملائكة . ووردت أيضا في البقرة والنساء والحجرات من السور المدنية فخطاب أهل مكة فيها هو الغالب وهو مع ذلك يعم غيرهم وورودها في السور المدنية يراد به خطاب جميع المكلفين ابتداء ، وما أظن أن ابن عباس قال في فاتحة النساء انها خطاب لأهل مكة ، بل يوشك أن يكون قد قال نحوا مما رويناه آنفا عن الوالد فتصرف فيه الناقلون وحملوه على كل فرد من أفراد هذا الخطاب حتى غلط فيه الجلال السيوطي في التفسير وان حقق في الاتقان أن السورة مدنية . وقوله اتَّقُوا رَبَّكُمُ قد تقدم مثله كثيرا وآخره في آخر السورة السابقة والمناسبة بين الأمر بتقوى رب الناس ومغذيهم بنعمه وبين وصفه بقوله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ظاهرة فان الخلق أثر القدرة ومن كان متصفا بهذه القدرة العظيمة جدير بأن يتقى ويحذر عصيانه ، كذا قال بعضهم ، قال الأستاذ الامام : وأحسن من هذا أن يقال إن هذا تمهيد لما يأتي من أحكام اليتامى ونحوها كأنه يقول : يا أيها الناس خافوا اللّه واتقوا اعتداء ما وضعه لكم من حدود الأعمال ، واعلموا أنكم أقرباء يجمعكم نسب واحد وترجعون إلى أصل واحد ، فعليكم أن تعطفوا على الضعيف كاليتيم الذي فقد والده وتحافظوا على حقوقه أقول : وفي ذكر لفظ الرب هنا ما هو داعية لهذا الاستعطاف أي ربوا اليتيم وصلوا الرحم كما رباكم خالقكم بنعمه وحاطكم بجوده وكرمه الأستاذ الامام : ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر فمن المفسرين من يقول إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش فإذا صح هذا هنا جاز أن يفهم منه